منوعات

جبل كوروكو خالٍ على عروشه.. اختفاء المهاجرين غير النظاميين من مدينة الناظور

سعيد المرابط:

هؤلاء المهاجرون الذين عبروا القارة السمراء، من أقصى جنوبها حتى أقصى شمالها، متحدين الحدود، الخوف والجوع، الموت والمقابر، سياجات الحدود وشفراتها الحادة، هربا من البؤس، الحرب واليأس، والذين كانوا يملؤون شمال المغرب ضجيجًا، لم يعد لهم أثر، كأن الأرض انشقت وابتلعتهم.

هنا في جبل “كوروكو”، لم يعد هنا سوى بقايا آثارهم، موقد النار، وملابس متناثرة هنا وهناك، شاهدةً على مكوثهم بهذا الجبل الذي اشتهر بهم؛ بعض الملابس البالية الأحذية المهترئة، علب الطعام، والعديد من الأشياء الأخرى مبعثرة على الأرض بين أشجار الصنوبر والصخور.

ففي منطقة يصعب الوصول إليها على بعد بضعة كيلومترات من الناظور، وعلى إرتفاعٍ تظهر منه مدينة مليلية جليةً، تزيد مروادة الحلم الإفريقي بالوصول للضفة الأخرى توهجًا، يقع جبل المهاجرين، جبل “كوروكو”.

صعدت “رأي اليوم”، إلى هذا الجبل بحثًا عن المهاجرين غير النظاميين، المنحدرين من دول جنوب الصحراء، فلم تجد غير بقايا أحد المخيمات العديدة المنتشرة في هذه الغابات المتناثرة على هذا الجبل،  الآن لم يبقى منهم أحد، هي فقط رسومات على الصخر تفشي الأحلام، كتب عليها “إفريقيا تبكي على أبنائها”، و”إفريقيا حبي الوحيد”، أما أولئك الذين بقوا في هذه المنطقة، فهم يختبئون خوفا من المزيد من الاعتقالات.

وأثناء تجولنا في بقايا المخيم، أثارت انتباهنا كلمة “بوزا” (BOZA)، مكتوبة على أحد الصخور في هذا في ذلك الجبل الشاهق والموحش، وهي مفردة تعني “النصر”، وغالبًا ما يصيح بها المهاجرين عندما يتمكنون من الوصول إلى الأراضي الأوروبية.

اختفاء أم اختباء؟

يمكن للمرء رؤية البحر الأبيض المتوسط من أعلى بكل وضوح، وما وراءه هو حلم العديد من أولئك الذين رسموا تلك الرسوم على الصخور.

وفي الوقت الحالي، اختار معظم المهاجرين الذين لم تعتقلهم الشرطة مغادرة مدينة الناظور، الأقرب إلى مليلية، أو الاختباء في أحراش المدينة وغاباتها خوفًا من الاعتقال.

“لا يوجد أشخاص هناك، إنهم يغادرون، فهم الآن خائفون أكثر من أي وقت مضى، لأنهم يعتقدون أن هذه المواقف سوف تتكرر”، تقول لـ”رأي اليوم”، عبر الهاتف، المدافعة الإسبانية عن حقوق المهاجرين، هيلينا مالينو.

ما روته مالينو، مؤسسة منظمة “كاميناندو فرونتيراس”، هو ما أكدته لهذه الصحيفة، عدة مصادر أخرى، من بينها نشطاء حقوقيون، ففي أجزاء مختلفة من البلاد، وعلى مدى أسابيع، ازداد الخوف بين المهاجرين من التعرض للاعتقال في الشارع؛ وتم نقلهم إلى المناطق الداخلية من البلاد لعرقلة تقدمهم نحو الحدود المتاخمة لسبتة ومليلية.

الموتى.. أعداد متضاربة

بعد ثلاثة أيام من محاولة الاقتحام الجماعي، تتواصل أرقام القتلى في تضاربها بين الرسمية والمدنية، فالسلطات تقول 23 في المجموع، فيما تؤكد المنظمات الإنسانية مقتل 37 شخصًا على الأقل، وترى مصادر أخرى أن الرقم أعلى.

وفي مقبرة الناظور حفرت السلطات، أمس السبت، واحدا وعشرين قبرًا لدفن بعض المهاجرين الذين لقوا حتفهم في الهجوم على مليلية، بعد إذن “استثنائي من وكيل الملك (المدعي العام) لدفنهم بسبب عدم وجود أماكن لهم في ثلاجة الموتى، وبعد أن فاحت من جثثهم روائح الموت” كما يؤكد ناشط حقوقي لـ”رأي اليوم”.

ويرتقب “دفنهم في أقرب فرصة”، في مقبرة  “سيدي سالم”، حيث يرقد العديد من المهاجرين المجهولين المدفونين، الذين قذفتهم لجج المحيط هامدين على الساحل.

وفي منتصف نهار الأحد، بعد الظهر، نشرت “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” صورة على حساب فرعها بالناظور،  مأخوذة من أطراف المقبرة، وصفتها بأنها “فضيحة”، أن تقوم السلطات بدفن “جزء من المهاجرين القتلى” بعد يومين من وصول الجثث إلى المشرحة بشكل مبهم تمامًا.

 

وقالت المنظمة الحقوقية الأكثر شهرةً بالمغرب، لـ”رأي اليوم”، “بدون تحقيق وبدون تشريح وبدون تحديد هوية، تسعى السلطات لإخفاء الكارثة”.

وتطالب “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”،  بالتحقيق في “ملابسات الوفيات وما إذا كان بالإمكان تفادي المأساة”.

ويؤكد عمر ناجي، عضو “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، بالناظور، أنه شاهد يوم الجمعة “مشهدًا لجثث مهاجرين من جنوب الصحراء على الأرض بـ”مستشفى الحسني”.

ويوضح ناجي أن “ما وقع تحت السياج هو أن الشرطة جمعت في منطقة ضيقة للغاية عشرات المهاجرين للتعرف على هوياتهم، وأبقتهم هناك لساعات تحت الشمس دون أن تريحهم، باعطابهم وجروحهم”.

وأكد ناجي، لهذه الصحيفة، أن “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، ستقوم “بفتح تحقيق في ما جرى، وستقوم بنشره في تقرير مفصل”، وتأسف الناشط الحقوقي واصفًا ذلك بـ”الكارثة”، مشيرا إلى أن “الشرطة الإسبانية كانت تتفرج جامعة يديها على صدرها، دون أن تقوم بمد المساعدات الطبية للمهاجرين، عبر الأبواب الصغيرة التي تعيدهم فيها عادة بسرعة إلى المغرب”.

 

وفي يوم الجمعة، حذرت “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، من “إمكانية دفن القتلى بسرعة” ودعت إلى عدم فعل ذلك، مطالبةً بفتح “تحقيق شامل وسريع وجاد لتحديد المسؤوليات والعواقب”.

وحتى الآن “لم تعرف هويات أو جنسيات للأشخاص الذين لقوا حتفهم”، يؤكد ناجي.

وفي بيان مشترك، دعت عشر منظمات إنسانية مغربية وإسبانية السلطات إلى “التعرف على هويات الضحايا وإعادتها إلى عائلاتهم، بالتعاون مع منظمات المهاجرين”.

وفي غضون ذلك، تتواصل الاعتقالات في الناظور، إذ شاهدت “رأي اليوم”، سيارات لـ”القوات المساعدة” ممتلئة بالمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في شوارع الناظور.

كما بدأت وفق مصادر حدثتها هذه الصحيفة، “عمليات النقل القسري للمهاجرين إلى مدن وسط وجنوب البلاد لمنع الهجرة نحو إسبانيا”.

 

 

ونقلت السلطات المغربية، السبت، وفق ذات المصادر، إلى مدن وسط البلاد “نحو 900 مهاجر من جنوب الصحراء، اعتقلوا يوم الجمعة خلال محاولتهم القفز نحو مليلية فوق السياج الحدودي”.

وتم ذلك، في حافلات مستأجرة من قبل السلطات المحلية وتحرسها أجهزة الأمن، وانتهى الأمر بالمهاجرين في مدن مركزية مثل خريبكة أو قلعة السراغنة، الواقعتين على بعد 600 و800 كيلومتر على التوالي من الناظور.

وتلك، وفقًا للمدافعين عن حقوق الإنسان، “عمليات نقل غير قانونية” ولكنها ممارسة شائعة بعد الحملات التي شنتها السلطات في الجبال لكبح محاولات القفز فوق الأسوار الحدودية مع إسبانيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى