مقالات

هل ستخون موسكو طهران أم ستتخاذل مع واشنطن فيما يخص الملف السوري

براء سمير إبراهيم

منذ بدايتها قبل نحو عشر سنوات وإلى اليوم، ما تزال الأزمة السورية القضية السياسية الأولى والأبرز محلياً وإقليمياً وعالمياً التي تتدخل وتشترك فيها قوى دولية كبرى وعظمى، وفي ظل كل التعقيد الذي يطوّق هذه المسألة، إلاّ أن ثمّة مؤشرات ظهرت في الوقت الحالي، تدل على أن الملف السوري الشائك بات على طريق الحسم بصرف النظر عن طريقة حسمه.

فقدوم إدارة بايدن ووضعها الأزمة السورية على سلم أولوياتها، والكلام الذي أدلى به وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، خلال تصريح تلفزيوني قبل أشهر من تعيينه في إدارة بايدن، واعترف فيه إن إدارة أوباما فشلت فشلاً ذريعاً في التعامل مع الملف السوري، وإنه شخصياً يشعر بالأسف حيال ذلك، إذ قال:

“إنه شعور سأحمله بقية عمري. إنه شعور يراودني بقوة”.

كلها معطيات تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة، ستأخذ على عاتقها مسؤولية إصلاح أخطاء الإدارات السابقة فيما يخص القضية السورية.

كذلك فإن المفاوضات النووية التي تجري حالياً مع إيران، كفيلة بأن تجعل الملف السوري يحظى باهتمام خاص لدى حكومة بايدن، فإذا كان نشاط إيران الإقليمي ورقة تحاول واشنطن استخدامها في المباحثات وسط رفض إيراني صارم، فإن العمل على إضعاف النفوذ الإيراني في سورية، من شأنه أن يحقق أهداف واشنطن بالضغط على طهران لقبول التفاوض حيال وجودها وأنشطتها الأقليمية، لاسيما أن سورية تعتبر مركز الثقل الإيراني الأكبر في المنطقة.

[ روسيا ما تزال بحاجة إيران في سورية]

وفي الآونة الأخيرة ازداد الحديث عن تفاهم روسي_أمريكي فيما يتعلق بضرورة إخراج إيران من سورية، ومما عزز هذه الفرضية إعلامياً، الاتصالات الهاتفية التي بحث فيها الرئيسان الروسي “فلاديمير بوتين”، والأمريكي “جو بايدن” القضية السورية، وكذلك قمة لاغرانج التي جمعت الطرفين في حزيران وجرى خلالها طرح الملف السوري أيضاً، إلى جانب تصويت روسيا الشهر الماضي، لصالح قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد إدخال “المساعدات الإنسانية” إلى سورية، الذي وصفه البعض ب”الضار” للحكومة السورية والدال على وجود تنسيق فعلي بين موسكو وواشنطن فيما يتعلق بسورية، كما أن غياب الجانب الإيراني عن منصة الدوحة التي جمعت في آذار كل من قطر وروسيا وتركيا وخُصصت للشأن السوري، فسرّه البعض على أنه محاولة روسية لإبعاد إيران عن أي رؤية جديدة لمستقبل سورية، وعلاوةً على ذلك كله، فقد كشف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى عن تقديم روسيا “عرضاً بتقويض التوسّع الإيراني من خلال دفع الجماعة الشيعية الوكيلة (لواء الفاطميون) خارج حقول النفط والغاز بالقرب من الرقة خلال آذار/مارس”.

إلاّ أن روسيا فعلياً مازالت بحاجة إلى الوجود الإيراني في سورية، فطهران كانت وما زالت شريكة موسكو في محاربة الإرهاب على الأراضي السورية، وهي مهمة لم تنتهِ بعد، كذلك لا ننسى الدعم الإيراني الكبير لدمشق في ظل الحصار الاقتصادي الحالي المفروض عليها، فالوقود والدقيق وغيرها من السلع والخدمات الأساسية الأخرى تحصل عليها سورية من الحليف الإيراني، لذا فإن موسكو لا تستطيع على الأقل في الوقت الحالي أن تنتهج هذا النهج ضد إيران لحين رفع العقوبات الأمريكية عن دمشق بشكل كامل والقضاء على الإرهاب.

علاوةً على ذلك فإن مصلحة روسيا تقتضي بقاء إيران في سورية بالمرحلة الحالية، لأن الوجود الإيراني في سورية هو ورقة تستطيع روسيا استخدامها في أي مباحثات مقبلة مع الجانب الأمريكي، للحصول على تنازلات تخدم مصالح روسيا وأهدافها بحسب ما ذكره محللون، إلى جانب ذلك فإن روسيا من مصلحتها أيضاً أن تبقى إيران محور اهتمام الولايات المتحدة الأول في الشرق الأوسط، وبالتالي صرف نظر وانتباه الأمريكيين عن أنشطة روسيا وتوسعاتها الإقليمية والدولية التي تجري حالياً.

كما أن باحثين أمريكيين أو مهتمين في الشأن الأمريكي، تحدثوا في الأيام الأخيرة عن وجود تعاون كبير بين إيران وروسيا في سورية يهدد المصالح الأمريكية بشكل صريح.

[ واشنطن شريك غير محبذ لدى موسكو]

وحتى في ظل التقارير والتسريبات التي تتحدث عن وجود تنسيق أمريكي_روسي حول سورية وإخراج إيران منها، إلاّ أنه علينا ألاّ ننسى أن روسيا ليست حليفة ولا صديقة لأمريكا، فالعلاقات بين البلدين قائمة على التنافس والعداء وكل طرف ينظر إلى الآخر على أنه ند له، بدليل المناوشات والاحتكاكات التي جرت بين القوات الأمريكية والروسية على الأراضي السورية خلال فترات متقطعة من العام الماضي، كذلك فإن التعاون المفترض ما بين موسكو و واشنطن لإبعاد إيران عن المشهد السوري، لا يصب في مصلحة موسكو بطبيعة الحال، لأن انسحاب إيران يعني تعزيز الوجود الأمريكي وزيادة التدخلات الإسرائيلية والأوروبية في سورية، مما يجعل روسيا في مواجهة تحديات أكبر وخصوم أكثر.

بالإضافة إلى ظهور معلومات في شمال شرق سورية، تتحدث عن وجود دعم روسي للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الأمريكي، وتشكيل روسيا لجماعات مسلحة أشورية وأرمنية وحتى عربية لخدمة الغرض ذاته.

وفضلا عن كل ذلك فإنه إذا كانت هناك مصلحة لدى روسيا بإخراج إيران من سورية، فهي لديها مصلحة أكبر بإخراج الأمريكيين منها، وهذا ما أكدت عليه صحيفة “التايمز” قبل عامين، حيث قالت أن روسيا وتركيا وإيران رغم اختلافهم وتنافسهم في سورية إلا أن هناك قاسم مشترك ومصلحة مشتركة تجمع بينهم جميعا وهي “إقصاء الولايات المتحدة”.

[ سياسة روسيا يكتنفها الغموض وتحركها المصالح]

وفي واقع الأمر فإن السياسة الروسية حيال سورية،قائمة أولاً وأخيراً على حماية المصالح الروسية والدفاع عنها، مما يقتضي من موسكو التعامل مع كافة الأطراف الدولية الضالعة في القضية السورية، وعلى وجه الخصوص إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

وما جرى قبل أيام قليلة من زيارة وفد روسي كبير ورفيع المستوى للعاصمة دمشق وتوقيعه مع الجانب السوري عدة اتفاقيات في مجالات مختلفة، وزيارة رئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف” لسورية بالتزامن مع الزيارة الروسية، وحديثه عن توقيع “اتفاق شامل” ما بين طهران ودمشق، يمكن فهمه أمّا على أنه يأتي في إطار الخلافات ما بين طهران وموسكو وسعي كل منهما لتثبيت وترسيخ مصالحها وشرعنة وجودها في سورية، أو قد يكون في سياق التعاون الوثيق مابين روسيا وإيران في الملف السوري.

[ واشنطن وقاعدة “فرّق تسد”]

ولا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن وجود اتفاقيات بين أمريكا وروسيا تضر بمصالح إيران في سورية، إلاّ أن الحديث عن ذلك ليس بالأمر الجديد،فخلال السنوات الماضية كان هذا الموضوع مطروح أيضاً ونفته الرئاسة الروسية في العام 2019،

وقد لا تعدو التقارير الصحفية التي تتحدث عن مثل هكذا صفقات عن كونها محاولة أمريكية لبث الشقاق وإشعال الخلاف بين الحليفين الروسي والإيراني، على غرار المحاولات الأمريكية الرامية إلى زعزعة الثقة بين دمشق وموسكو، عندما تشير بعض التسريبات غير الموثوقة إلى أن موسكو بصدد التخلي عن الرئيس السوري “بشار الأسد”، وهذه السياسة الأمريكية ليست وليدة اليوم بل جرى استخدامها منذ سنوات بعيدة، وأشار إليها “هنري كيسنجر” السياسي والدبلوماسي الأمريكي، عندما قال : “إن علاقاتنا مع من نتوقع معاداتهم(العداء لأمريكا)، يجب أن تكون إمكانيات الانفراج مع كل منهم أكبر مما هي عليها بينهم”.

[ سورية وسيناريوهات المستقبل]

وبناءً على كل ما طُرح، يمكننا القول أن مستقبل الأزمة في سورية مفتوح على عدة سيناريوهات، وهذه السيناريوهات نستطيع القول بشكل شبه مؤكد أنها لا تتضمن إعادة إنتاج ما يسمى “الثورة” من جديد، أو القيام بتدخل عسكري أمريكي مباشر لإنهاء حكم الرئيس الأسد كما يروّج البعض، لأن الحديث عن إعادة تشكيل الفصائل المسلحة بات أمراً شبه مستحيل فنحن هنا نتحدث عن سيناريو فاشل حدث في عهد أوباما الذي تنتقد إدارة بايدن أساساً طريقة تعاطيه مع الملف السوري، كذلك فإن مثل هكذا خطوة تتطلب تمويلاً كبيراً وضخماً إلى جانب أنها تأخذ وقتاً طويلاً وممتداً.

أما الحديث عن احتمالية حدوث تدخل أمريكي لإزاحة الرئيس الأسد عن السلطة بالقوة، كما يريد “ستيفن راب”، السفير الأمريكي المتجول السابق لقضايا جرائم الحرب في عهد إدارة أوباما، الذي قال مؤخراً في برنامج “60 دقيقة” :

“لدينا دليل أفضل ضد الأسد وزمرته مما كان لدينا ضد ميلوسيفيتش في يوغوسلافيا …حتى أفضل مما كان لدينا ضد النازيين في نورنبرغ”. فهذا أمر غير وارد إطلاقاً، لأن خطوة بحجم هذه الخطوة لابد أن تكون بعلم روسيا التي لم ولن تقبل بمثل هكذا عملية، لأن تخليها بهذه الطريقة عن الرئيس “الأسد” الذي لطالما دعمته ووقفت إلى جانبه خلال السنوات الماضية، سيجعل روسيا حليف غير محبذ لدى الدول الأخرى ويصوّرها على أنها غير جادة في التزاماتها وتحالفاتها، إضافةً إلى أن هذه خطوة إِنْ حدثت فإنها تنطوي على قدر كبير من الخطورة، فقد تؤدي إلى الانزلاق إلى حرب عالمية كبرى، كذلك فإن الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، أوضح أن استراتيجية حكمه لن تكون عسكرية بل دبلوماسية، كما أنه قلل من أهمية الشرق الأوسط في برنامجه الانتخابي.

لذا فإننا سنطرح الآن بعض التقديرات لما ينتظر سورية في الأيام القادمة :

_ زيادة التعاون مع روسيا لإيجاد حل ومخرج للأزمة السورية، يضمن الحفاظ على المصالح الروسية والأمريكية والإسرائيلية في آن واحد، كما يضمن العمل على إزاحة إيران من سورية نظراً لما تشكله من تهديد كبير على “إسرائيل”.

_ تسريع وتيرة الحل السياسي والخروج من الأزمة عن طريق تفعيل المسار الدبلوماسي بشكل يضمن انتقال الحكم سلمياً، ويحول دون بقاء الرئيس “بشار الأسد” في سدة الحكم، حيث تعتبره كل من واشنطن وتل أبيب بأنه الحاضن الأساسي لإيران ومحور المقاومة في المنطقة.

_ الضغط على الحكومة السورية للاتجاه نحو إخراج القوات الإيرانية من سورية، والتخلي عن دعم محور المقاومة مقابل تعزيز وتأمين نظام الحكم في دمشق ورفع العقوبات وإعادة الإعمار وضمان دمج دمشق بالمجتمع العربي والدولي مجدداً.

_ الاتجاه نحو تعزيز طريق العقوبات وجعلها أكثر فتكاً وأكثر ضراوة، بحيث تكفل تحقيق المصالح الأمريكية في سورية بالقوة، خاصة وأن واشنطن تعد الآن لقانون “قيصر2”.

_ طرح الوجود الإيراني في سورية على طاولة مفاوضات فيينا والاتفاق على خارطة طريق مع إيران نحو تحجيمه والحد منه، وبالتالي تسهيل حل الأزمة السورية بين مختلف الأطراف السورية والدولية.

إذاً خيارات واسعة وسيناريوهات عدة بإنتظار سورية في المستقبل القريب، ومع تصاعد وتيرة الحديث عن الأزمة السورية في الآونة الأخيرة والتأكيد على ضرورة حلّها، نتساءل هنا :

هل سيكون العام 2021 عام الحسم لصراعٍ ذاق السوريون خلاله شتى أنواع العذاب؟

الإجابة تحملها الأيام القادمة التي قد تنطوي على مالم يكن في الحسبان ومالم تتخيله الأذهان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى