مقالات

الإبــــداع! من الحریة إلى المسؤولية

بقلم: منیر مزلیني

الفن والمجتمع:

ارتباط الفن بالمجتمع ظاهرة قديمة تحدثت بشأنها نظريات عديدة وقدمت تحاليل وأراء جدّ هامة وجدّ مقنعة تؤكد هذه العلاقة التلازمية المترابطة والمتطورة عبر مختلف العصور ومختلف الحضارات البشرية المتعاقبة، ابتداء من العصر الحجري الأول وصولا إلى عصرنا الحديث، إذ لم تقتصر هذه المعرفة أو النظريات على حضارة أو ثقافة دون أخرى، بل نجدها في كل الثقافات المتعاقبة ـ مع مراعات الفوارق العلمية والمنهجية التي يستلزمها السياق التاريخي والزمني ـ حيث تطرق إليها بداية الفكر اليوناني القديم من خلال نظرية المحاكاة ومحاكاة المحاكاة في معالجة هذه المسالة، مرورا بالثقافة العربية التي ترى في الفن مرآة عاكسة لمجتمع ولسان حله، وصولا إلى النظريات الحديثة والمعاصرة التي عالجت المسألة من عدة أوجه ابتداء من نظرية الالتزام ودور المثقف إزاء مجتمعه مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي (جون بول سارتر)،ثم مع المثقف العضوي للفيلسوف اليساري الإيطالي (أنطونيو غرامشي) وغيرهما.. ولأن الفن التشكيلي أو الرسم التصويري هو أقدم الفنون التي عرفتها البشرية والحضارات البدائية القديمة، فقد اعتمدت كل الدراسات والبحوث المهتمة بدراسة تاريخ الحضارات والمجتمعات القديمة على فن الرسم لمعرفة طبيعة تلك الحضارة وحياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما إليها.. وذلك من خلال تتبع المنقوشات والرسومات التي كانت مرسومة داخل الكهوف والمغارات التي كانت تعتبر أول المساكن التي لجأ إليها الانسان البدائي للاحتماء من قساوة الطبيعة ومن افتراس الحيوانات المتوحشة، مشتركا في ذلك مع بقية الكائنات الحية الأخرى التي كانت تحتمي بالطبيعة ومن الطبيعة نفسها، إلا أن الانسان كان يتميز عن تلك الحيوانات والكائنات الحية بغريزة التفكير ونعمة العقل والتي وهبته ملكة التعبير عن أفكاره وأحاسيسه ومخاوفه بطرق متطورة ومختلفة عن تلك التي تعبر بها الحيوانات والكائنات الحية الأخرى ، مثل الأصوات أو الحركات أو اظهار ألوان معينة وغيرها، فالإنسان تفوق عن تلك الكائنات بإمكانات أخرى، فإضافة إلى التعبير الصوتي والحركي تميز بالتعبير الفني، فكان الرسم على اجدران الكهوف أول تلك التعابير الفنية أو السحرية التي اكتشفها الانسان في بداية مشواره الفني دون أن يعي معنى الفن نفسه. إذ أخذت تلك التعابير والرسومات معاني متعددة ومختلفة راحت تتطور مع كل مرحلة حضارية معينة. فالرسومات التي كانت منقوشة في أغوار الكهوف البعيدة لم تكن للزينة أو للعرض الفني، بل كانت تعكس الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية (المعتقدات) لتك الفترة. وبحسب الدراسات المتخصصة في هذا الميدان فإن الانسان في العصر الحجري الأول مثلا، حينما كان يرسم تلك الحيوان وهو يطاردها ويرميها برمحه ليطعنا فالاعتقاد الراسخ لديه حينها أنه يصطادها بالفعل، وأنه حينما يرسمها على جدران الكهوف كمن يخفيها عن أعين الأخرين ويجمعها كقطيع في زريبته الخاصة. وهذا الاعتقاد السحري كان راسخا في ذهنه على أساس أنه حينما نقشها على الحجارة فقد حجزها لنفسه وأصبحت ملكه. أو كما يقول الباحث والمؤرخ الفني الكبير (أرنولد هاوزر) في كتابه ” الفن والمجتمع عبر التاريخ” الجزء الأول ص 18 : ” ولقد كانت الصورة جزءا من الجهاز التكنيكي لهذا السحر، إذ كانت هي ” المصيدة” التي ينبغي أن تنتهي إليها اللعبة، أو كانت على الأصح المصيدة ومعها الحيوان الذي تم اقتناصه بالفعل ـ إذ أن الصورة كانت هي التصوير والشيء المصور في آن واحد ـ وكانت هي الرغبة وتحقيق الرغبة في الوقت نفسه ـ ولقد كان صياد

العصر الحجري القديم يعتقد أنه قد استحوذ على الشيء ذاته في الثورة، ويظن أنه قد سيطر على الموضوع عندما يصور الموضوع.. فالتمثيل التصويري لم يكن بالنسبة إلى ذهنه إلا استباقا للنتيجة المطلوبة.”.. وعلّ أبلغ صورة عن هذا الاعتقاد السحري أو الظاهرة ما قدمه عالم الاجتماع الفرنسي (لوسيان ليفي برول) المختص في دراسة العقليات البدائية في كتابه ” الوظائف الذهنية للمجتمعات الدنيا” 1910 ص 43، عن أحد رجال الهنود الحمر المنتمين إلى إقليم (سيوـ Sioux) عندما رأى أحد الباحثين البيض يقوم بإعداد رسومات، فقال: ” إنني أعلم أن هذا الرجل قد وضع كثيرا من ثيراننا البرية في كتابه. لقد كنت هناك عندما فعل ذلك، ومنذ ذلك الحين لم تعد لدينا ثيران. “!

لقد كان الفن دوما مرتبط بمجتمعه ومحيطه ارتباطا عضويا وتفاعليا بحيث لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض أو فهم أحدهما دون النظر في وجه الآخر. فالفن كان دوما مرآة عاكسة لمجتمعه بشكل أو بآخر، كما كان المجتمع يعكس فنه ويتطور معه وبه جنبا إلى جنب. لذلك حينما انتقل الانسان إلى مرحلة العصر الحجري الثاني، وبعد أن عرف نوعا من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بالتحول من رجل الصيد المطارد للفريسة والمعيشة إلى مزارع ومربي للقطعان، فهذا الاستقرار جعل تعبيره الفني يتغير ويتطور من مجرد النقل الحسي والمادي للواقع إلى تصور أكثر تجريد وتطور، حيث أن الاستقرار جعله يتأمل في ما حوله ويتفكر في الكون وراح يطرح تلك الأسئلة الوجودية الأبدية والتي ظلّ يطرحها بعد ذلك إلى يومنا هذا، والمتمثلة في التساؤل عن أصل هذا الكون وكيفية خلقه ووجوده، وقبلها وجوده هو وخلقه. وهنا بدأ التفكير الديني، وظهر نوع من التفكير التجريدي والتصور الميتافيزيقي، فظهرت الثنائية الطبيعية أو كما يسميها المختصون (الحيوية الطبيعية ـ animisme) أي ثنائية الوجود، الخير والشر، الليل والنهار، الموت والحياة …الخ. وراح الفن من خلال ذلك يبدع أشكالا وصورا تعبيرية أكثر تجريدا، وأصبح يميل إلى التعبيرية (expressionism) بعد أن كان يميل إلى الانطباعية (impressionism).

وقد أجازف بالقول إذا ما ذهبت في الرأي إلى أننا مازلنا إلى يومنا هذا بشكل أو بآخر نتأرجح بين انطباعية الفكر الحجري الأول وتعبيرية العصر الحجري الثاني ولكن بأشكال متطورة ومختلفة، ولكنها في الجوهر والأصل هي ذاتها. وإن هذا الارتباط المباشر واللامباشر للفن بالواقع والمجتمع يولد لدينا الشعور بالمسؤولية تجاه هذا المجتمع وهذا الواقع الذي نحن ملتزمون به بقدر ارتباطنا. وقد يظهر ذلك جليا حينما نكشف عن الارتباطات الخفية أو الخلفيات والمرجعيات الفكرية والفلسفية للفن. من خلال طرح سؤال: ما علاقة الفن بالأيديولوجيا؟

الفن والأيديولوجيا

لا أحب الخوض كثيرا في النظريات والكلام المدرسي لأن هذا ليس مقامه وسياقه، ولكن قد يحدث ولا نجد لأنفسنا مهربا من بعض التعريفات الضرورية التي يستوجبها السياق ويفرضها المنطق حتى ينسجم الكلام وتتسق الأفكار. وقد لا نجد بدا من تعريف الفن بشكل مبسط وموجز، وفي الاتجاهين الحضاريين، العربي والغربي حتى تكتمل الرؤية. إذ تتفق المعاجم العربية القديمة والحديثة منها على أن الفن يعني التزيين والتحسين، مثل قولنا فنّ الشيء أي زينه، وتفنن في الحديث أي حَسُن أسلوبه في الكلام. وهي مهارة يمتلكها المرء ويطورها بالدراسة والدربة والتجربة.

أما في المعاجم الغربية مثل معجم إسكفورد، أو معجم و(يبستر)الإنجليزي (Webster). فالفن (هو تعبير الفرد عن مهارة الإبداع في صورة مرئية، مثلا النحت والرسم.. يمكن تنميتها بالممارسة والدراسة..) وجاء في معجم ويبستر (هو استخدام المهارة والخيال بشكل واع لإنتاج أمور جمالية.. وأنه عبارة عن صنعة ومهارة

إبداعية).. في الأخير نستخلص أن الفن عند كلا الفرقين أو الثقافتين هو تحسين الشيء وتزيينه أو ادخال مهارات إبداعية عليه حتى يظهر بمظهر جميل، وهذه المهارات يمتلكها المرء وينميها ويطورها بالدراسة والدربة والتجربة.

فيما الأيديولوجيا، وكما لخصها أول من وضع هذا المصطلح المفكر التنويري الفرنسي (دي تراسي) في كتابه (عناصر الأيديولوجية) في أنه علم الأفكار الذي يعنى بدراسة مدى صحة وخطأ الأفكار التي يحملها الناس.. لكن التعريف الذي أراه قريبا لمقامنا هذا، هو ذلك الذي ذهب في القول (أنها كل مذهب سياسي وطائفي أو قومي يستخدم العلم والفن والدين في استقطاب الجمهور..)

من خلال المفهوم الذي توصلنا إليه للفن على أنه مهارة ندخلها على الشيء لنحسنه ونظهره بمظهر جميل أو هو تجميل الشيء أو التعبير عنه بشكل جميل، نفهم لماذا تستغل الأيديولوجيا الفن، وكيف تنجح في استقطاب الناس وتوجيههم.

لكن السؤال الملحق والمنطقي الذي يفرض نفسه في هذا السياق، هل يمكن فصل الفن عن الأيديولوجيا؟

أو هل يمكن فصل الأيديولوجيا عن الفن؟

إذا كانت الأيديولوجيا هي مجموعة من المعتقدات والأفكار التي تولد لدينا الأحاسيس والمشاعر التي تؤثر على نظرتنا للعالم، فكيف يمكن فصلها عن الفن إذا كان الفن في حدّ ذاته هو تعبير عن تلك المعتقدات والأفكار والأحاسيس والمشاعر بمهارة فنية وجمالية؟! إذا الأمر ليس بالسهولة التي نعتقدها، والفصل بين الطرفين يقارب المستحيل من الأمر. ولكن أرى من الضرورة هنا التفريق بين الأيديولوجيا الذاتية والتي تتشكل من الأفكار والمعتقدات والمشاعر الخاص بكل فرد، والأيديولوجيا الموضوعية أو الوضعية التي يفرضها الأخر الخارج عنها، كالمجتمع أو السلطة أو النظام العالمي المهيمن، تمام مثلما رأينا مع الأنظمة الاشتراكية والشيوعية والأنظمة الليبيرالية الرأسمالية أو الأنظمة القومية العربية أو الجمهوريات الإسلامية وغيرها. فكلها أيديولوجيات ومعتقدات سياسية منبثقة من فلسفات معينة فرضتها السلطات الحاكمة أو المتحكمة على المجتمع وبالتالي على الفرد. والكل يتذكر ذلك الصراع الأيديولوجي الذي كان سائدا في منتصف القرن المنصرم بين القطبين العملاقين الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي سابقا والولايات المتحدة الأمريكية، وكيف انقسم العالم إلى قوتين متصارعتين في حرب باردة ضروس، كان فيها السباق نحو التسلح عنوانا وصراع الأفكار والمعتقدات معركة ميدانية فاعلة. وقد كان للفن فيها النصيب الكبير من هذا الصراع بعد أن ترجمة تلك الأفكار الأيديولوجية إلى مختلف الألوان الفنية فبرزت في الروايات والأشعار والرسومات والموسيقى والغناء وفي كل الألوان الفنية تحت عنوانين كبيرتين رسما كل تلك الخلفيات الأيديولوجية ممثلة في مذهب (الفن للفن) مترجما للفكر أو الأيديولوجيا الرأسمالية الليبيرالية، ومذهب (الفن الملتزم) مترجما للفكر والأيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية. وقد انقسمت الفنون على إثرها إلى تيارين كبيرتين هما: دعاة الرأسمالية والليبيرالية تحت مظلة (الحرية) ودعاة الشيوعية والاشتراكية تحت مظلة (الالتزام). وقد انبثق عنهما الكثير من الأعمال الفنية المختلفة وبرزت العديد من المدارس الفنية والمناهج النقية، بخلفيات تلك الفلسفيتين المنشئتين للتك الأيديولوجيتين المتصارعتين. وقد خدمت تلك المدارس الفنية هذين الاتجاهين الذين استغلا الفن لخدمة أهدافه السياسة والأيديولوجية على حساب الحرية الفنية الحقة والالتزام الفني الصادق. إذ المشكلة لم تكن في المصطلحين أو المفهومين (الحرية) و(الالتزام) في حدّ ذاتهما، بل في القوى المستغلة لهما والتي استغلتهما أبشع استغلال، حيث جهلتهما يتصارعان ويتقاتلان في حين أنهما متكاملان ومترابطان في الأصل، إذ لا حرية بدون التزام أو مسؤولية، كما لا مسؤولية أو التزام دون حرية. فكما أن العبد المرغم ليس مسؤولا عن أفعاله، فكذلك الاستهتار والتسيب ليس حرية. وقد رأينا كيف تحول الفن باسم الحرية إلى اعتداء على المعتقدات

والأفكار بل اعتداء على الفن نفسه، مثلما رأيناه مع دعاة (اللافن) أو جماعة (ضد الفن)! أين بلغت الاستهتار والفوضى في الفن إلى درجات متدنية من الأخلاق والقبح والاستخفاف بعقول الناس مثلما رأين مع ذلك (الفنان) التشكيلي الذي وضع قذارته في علب وكتب عليها اسمه وباعها في المعارض بالمزاد العلني! كل ذلك تحت شعار الحرية. علما أن الحرية والالتزام أخلاق وكرامة قبل كل شيء والفن جمال ومعرفة.

لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحدّ، بل على العكس من ذلك تماما فقد تفتح المجال لجملة من الأسئلة المنطقية، والتي بالتأكيد تريد أجوبة عملية تتحرك على أرض الواقع، ومن جملة هذه الأسئلة مثل قولها: كيف يكون الملتزم حرا؟ وكيف يكون الحرّ ملتزما؟ وهذا الأمر يستوجب دراسة لوحده، ولكننا في هذا المقال لا يسعنا المرور عليه دون الوقوف عند إشارات سريعة حول المسألة، أين نلخصه في قولنا، أنه يجب التفريق هنا ـ من جهة نظرية الالتزام ـ بين (الالتزام) و(الالزام)، فالأول داخلي يكون بإرادة الملتزم وقبوله وبالتالي حريته، أما الالزام فهو خارجي أي خارج عن وإرادته الفنان وقناعته.

وفي الجهة المقابلة ـ نظرية الفن للفن ـ المنادية بالحرية، فإنه يجب التفريق بين الحرية المسؤولة والملتزمة والحرية الفوضوية المتسيبة. ولا أتصور أن التسيب والفوضى يمكن أن يصلح منهجا للبناء، لكنه يمكن أن يكون منهج تهديم وتحطيم، وهذا ما نادت وتنادي به بعض التيارات الفنية المنبثقة من فلسفات راديكالية هدامة وإيديولوجيات عنصرية فاشية. فالإبداع لا يكون إلى في ظل الحرية والشعور بها ولا يتطور ويكون بناء إلا إذا تحلا بالالتزام والمسؤولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى